أحمد مصطفى المراغي
48
تفسير المراغي
المنكرات ، واجعل بينهم وبين عذاب الجحيم وقاية بأن تلزمهم الاستقامة ، وتتم نعمتك عليهم ، فإنك وعدت من كان كذلك بالبعد عن هذا العذاب ، ولا يبدّل القول لديك . قال مطرّف بن عبد اللّه : وجدنا أنصح عباد اللّه لعباد اللّه الملائكة ، ووجدنا أغش عباد اللّه لعباد اللّه الشيطان ، وتلا هذه الآية . وقال خلف بن هشام البزّار القارئ : كنت أقرأ على سليم بن عيسى ، فلما بلغت « وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » بكى ، ثم قال يا خلف : ما أكرم المؤمن على اللّه ، يكون نائما على فراشه والملائكة يستغفرون له . ( رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) أي ربنا وأدخلهم الجنات التي وعدتهم إياها على ألسنة رسلك ، وأدخل معهم في الجنة الصالحين من الآباء والأزواج والذرية ، لتقرّبهم أعينهم ، فإن الاجتماع بالأهل والعشيرة في موضع السرور يكون أكمل للبهجة وأتم للأنس . قال سعيد بن جبير : يدخل الرجل الجنة فيقول يا رب أين أبى وجدي وأمي ؟ وأين ولدي وولد ولدي ؟ وأين زوجاتى ؟ فيقال إنهم لم يعملوا كعملك ، فيقول : يا رب كنت أعمل لي ولهم ، فيقال أدخلوهم الجنة ، ثم تلا : « الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ » إلى قوله : « وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ » ويقرب من هذه الآية قوله : « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ » . ( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أي أنت الغالب الذي لا يمتنع عليه مقدور ، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة من الأمور . ثم عمموا في الدعاء لهم بأن يمنع عنهم العقوبات الدنيوية والأخروية فقالوا : ( وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ ) أي واصرف عنهم سوء عاقبة سيئاتهم التي كانوا قد أتوها قبل توبتهم ، ولا تؤاخذهم بذلك فتعذبهم بها .